بدأت الزيارة ببداية متعثرة، حيث توقفت حافلة مدرستنا فجأة بصوت ارتطام مدوٍ بالقرب من عيادة “بروك”. تعالت الصرخات داخل الحافلة وسادت حالة من الهرج والمرج في الشارع. لقد اصطدمنا بجمال شارِد! كان الحيوان مستلقياً على ظهره جزئياً ولم يستطع النهوض. كان الجمل قد فرَّ من سوق الجمال المجاور لعيادة “بروك”.
أدركُ الآن أن الجمل كان يظهر عليه كافة علامات التوتر الشديد، ولم يكن ذلك مفاجئاً، فقد كانت أرجله الخلفية مقيدة بقطعة من الحبل، مما منعه من الذهاب لأي مكان. لم أعرف من أين جاءوا، ولكن فجأة، ظهر رجلان يرتديان معاطف بيضاء وقفا بجانب الحيوان، وبرفقتهما بضعة رجال ذوي بنية قوية يرتدون قمصانًا حمراء داكنة عليها شعار (لوغو)…
كان هؤلاء هم رجال مستشفى “بروك” للحيوانات. لن أنسى أبداً كيف واجه فريق “بروك” الرجال الذين أساؤوا معاملة الجمل؛ كانوا هادئين ولكن حازمين للغاية، بل وغاضبين حقاً. شعرتُ في قلبي حينها أن الحيوان لم يرتكب أي ذنب، لذلك اعتبرتُ رجال “بروك” أبطالاً حقيقيين!
عندما دخلنا العيادة، استقبلنا طبيبان بيطريان آخران بالترحاب ووزعوا علينا بعض الحلوى، وسألونا: “من منكم يحب الحيوانات؟”. بالطبع رفعتُ يدي عالياً. ثم حدثنا الأطباء عن الحياة الشاقة التي تعيشها خيول وحمير العمل، وعن ضرورة معاملة هذه الحيوانات بشكل جيد. فالحياة قاسية على حيوانات العمل، ولكن عندما نرفق بها، ولا نضربها، ونطعمها جيداً، فإنها تصبح هادئة ويقل شقاؤها. لم أكن لأتفق معهم أكثر من ذلك.
مررنا ببعض الحظائر التي تضم الحيوانات المريضة، وكنت أتوق لسماع قصة كل واحد منها. لن أنسى أبداً قصة ذلك الحمار الذي كان يعاني من جروح مروعة إثر حريق اندلع في كشك الخضروات الخاص بصاحبه. رأيتُ كيف يساهم كل شخص في العيادة، كلٌ حسب دوره، في مساعدة المرضى.
منذ تلك الزيارة، ترددتُ على العيادة عدة مرات في طريقي للعودة من المدرسة، مدفوعاً بالفضول لرؤية الحالات الموجودة هناك. ومنذ تلك الزيارة الأولى، حلمتُ بأن أصبح بطلاً يرتدي “المعطف الأبيض” تماماً مثل أطباء “بروك”. ولهذا السبب، قررتُ الالتحاق بكلية الطب البيطري بعد الثانوية العامة.

د. عبد الغفار بعد أن أصبح طبيباً بيطرياً في عيادة بروك بمطروح
ما يسعدني حقاً هو أن العيادة لا تزال تحتفظ بصورة لفصلنا الدراسي أثناء زيارتنا في عام 2003. ذلك الطفل الذي كنته في تلك الصورة لم يكن ليعلم أبداً أن زيارته لـ “بروك” في ذلك اليوم ستحدد مسار حياته بالكامل.